مصطفى صادق الرافعي
8
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
أيتها الحصاة ، ما يسخر منك الساخر بأكثر من أن يجلوك على الناس في علبة جوهرة . وأنت أيها القارئ فلا يغرّنك منهم من يلبس العمامة يتسم بسمة الشرع ، ثم يذهب أين ذهب وشعلة الجحيم العلمية تدور في رأسه تهفو من هاهنا وهنا . . . . . . ومن تراه في ثياب المعلم يتلبس بالفشء كما يتلبس الداء بعضو حيّ : لا يدع أبدا أن يغمز غمزة ويبتلي بما فيه من ضعفة وبلاء ، فلا يصلح إلا على إفساد الحياة ، ولا يقوى إلا على إضعاف القوي ، ولا يعيش إلا على غذاء من الموت ، كأن هذا المعلم - أخزاه اللّه - كان من قبل دودة في قبر . . . ثم نفخه اللّه إنسانا يجعله فيما يبلو به الخلق ، ويضرب الحياة به ضربة انحلال وبلى وتعفن . . . . . . ومن تراه قد سخر به القدر أشد سخرية قط ، فضغطه في قالب من قوالب الحياة المصنوعة فإذا هو في تصاريف الدنيا كاتب مرشد متنصّح ينفث دخان قلبه الأسود ويعمل كما تعمل الأعاصير على إهداء الوجوه والأعين والأنفاس صحفا منشرة من غبار الأرض ، إن لم تكن مرضا فأذى ، وإن لم تكن أذى فضيق ، وإن لم تكن ضيقا فلن تكون شيئا مما يساغ أو يقبل أو يحب ! . يحتجون بالعلم ، وهذا العلم لا ينفي شبهة ولا يحل مسألة مما هو فوق العقل ، ولا بد أن يكون للعقل ( فوق ) وإلا كان هو تحت المادة وسطت هي عليه وأصبحت الحياة بلا غاية والإنسانية بلا معنى ، وهذا العلم كيف اعتبرته إن هو إلا ترجمة جزء من الوجود إلى الكلام والعمل ، فهو لا يوجد شيئا غير موجود ؛ وإنما يكشف عن الموجود ويتسع في العبارة عنه ويحاول جعله كلا بنفسه ، وما هو إلا ظاهرة من جزء من كل مما وراء الكل ؛ فمن ثم كان من طبيعة البحث العلمي أن يستجر الفاسد الصحيح ، ويخلط اليقين بالظن ، ويضرب المقطوع به في المشكوك فيه ، ومتى استقام هذا فصار عملا واتسق فرجع نظاما ، خرج إلى تشبيه الباطل بالحق ، وتلبيس الخطأ بالصواب ، فيكون من العلم ما هو علم وقت وجهل وقت بعده ، وبعد منه ما هو حق في زمن على حين أنه شبهة زمن يتلوه ، وهكذا ترى في الزمن العقلي شبيها بما يتعاور الزمن الحسي من تقلب الليل والنهار فلا يزال لكلّ أبيض تليه الأسود ، ولكل أسود تليه الأبيض . إذ كان لا بد من طبيعتين إحداهما تجمع والأخرى تفرق ، ومن قوتين إحداهما للتمثيل بين المتشابهات والأخرى للتضريب بين المتناقضات . أي علم هذا الذي يحتجون به وهم يرون الإنسان قد جعله عقله كونا وحده ثم يرون في الكون الكبير يقينا ساريا مطردا هو الحافظ لنظامه ، الضابط لدقائقه ، الممسك بمقادير أجزائه ؛ فكيف يصلح الكون الصغير الإنساني إلا على يقين مثل هذا ينزل من